سيادة المواطن وإسقاط الإرث الاستعماري
نحو إدارة وطنية تُجسّد روح العدالة والمواطنة
تُبنى الدولة الوطنية الحديثة على قاعدة حقوقية ودستورية صلبة مفادها أن المواطن هو السَيّد الحقيقي والمصدر الأول للشرعية، وأن كل مؤسسة عمومية هي ملكٌ خالص للشعب، أُنشئت لخدمته وصيانة كرامته. وبناءً على هذا العقد الاجتماعي الأصيل، يُعد الموظف والمسؤول الإداري —مهما علت مرتبته أو تنوعت صلاحياته— عاملاً مأجوراً يتقاضى راتبه ومستحقاته من مال المواطنين والخزينة العامة مقابل أداء واجب الخدمة العمومية.
غير أن المسلكيات الإدارية لا تزال تشهد —في بعض أوجهها— ظاهرة الاستعلاء وازدراء المراجعين، وهي ظاهرة تتنافى كلياً مع روح الوطنية والدولة المستقلة. إن نظرة التسلط والتهميش هذه ليست مسلكاً إدارياً أصيلاً، بل هي إرثٌ بائد ورثه الإداري غير الوطني عن الإدارة الاستعمارية التي كانت تقوم على قهر المواطن، وانتزاع حقوقه، والنظر إليه بدنوّ واستخفاف.
وللأسف، توارث بعض المسؤولين من تركة المستعمر هذا السلوك المشين، وسعوا بجِدّ إلى تسويقه وتكريسه كأنه مظهر من مظاهر الصرامة والقوة والجدية، بينما هو في حقيقته:
مسلكٌ قبيح يتنافى مع قيم الوطنية، يُكرّس نَفَس المستعمر وروحه التحكمية، ويكشف عن نهج يضع المصالح الشخصية والمادية الضيقة فوق كرامة صاحب الحق الشرعي.
انتهاكٌ لسيادة المواطن ومبدأ العقد الوظيفي: يُحوّل الخدمة المكفولة بحكم القانون إلى منّة أو تفَضُّل، ويُفرغ المؤسسات العمومية من جوهرها الحقوقي والخدمي.
نحو تجديد المسلكيات الإدارية وترسيخ المواطنة
إن التحرر الوطني الفعلي والإصلاح الإداري الجاد يستوجبان استئصال هذه الترسبات الاستعمارية من أجهزة الدولة، وتجديد العدالة وروح المواطنة في جميع المسلكيات الإدارية عبر الثوابت التالية:
-المساواة المطلقة في الخدمات والمزايا
تُعد الخدمة العمومية حقاً مكفولاً لجميع المواطنين على حدٍّ سواء، دون استثناء أو تمييز أو محاباة. فالعدالة الإدارية تقتضي تكافؤ الفرص وتوزيع الخدمات والمزايا بنزاهة وتجرد.
-الاحترام والالتزام الأخلاقي
التعامل مع المواطن بوصفه السيّد والمخدوم، لا المراجع المستجدي، هو واجب قانوني وأخلاقي غير قابل للتفاوض.
-سيادة القانون والمساءلة الصارمة
يُعدّ كل تقصير، أو ازدراء، أو انتهاك لحقوق المواطن خرقاً صريحاً للقانون وأمانة الوظيفة العامة. ومن يثبت تقصيره أو تجاوزه يجب أن يخضع للمساءلة الشفافة، وتُوقع عليه العقوبة العادلة التي تتناسب مع حجم الجرم والإخلال.
إن قطيعة الإدارة مع أساليب التحكم والتعالي، وانتصارها لقيم المساواة والشفافية، هما الشرط الأساسي لبناء دولة المؤسسات الحقيقية، وصون كرامة المواطن، وتجسيد مفهوم المواطنة الكاملة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق